محمد سعيد رمضان البوطي
114
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ربقة التكلفات والتعقيدات البعيدة عن طبيعته ، والإسلام هو النظام الوحيد الذي يستجيب لأعمق نوازع الفطرة البشرية . خامسا : كان الإسراء والمعراج بكل من الروح والجسد معا . على ذلك اتّفق جمهور المسلمين من المتقدمين والمتأخرين . قال النووي في شرح مسلم ما نصه : « والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بجسده صلّى اللّه عليه وسلم ، والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها ، ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل » « 28 » . ويقول ابن حجر في شرحه على البخاري : « إن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسده وروحه ، وإلى هذا ذهب جمهور من علماء الحديث والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل » « 29 » . ومن الأدلة التي لا تقبل الاحتمال ، على أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح ، ما ذكرنا من استعظام مشركي قريش لذلك ، وتعجبهم للخبر وسرعة تكذيبهم له . إذ لو كانت المسألة مسألة رؤيا وكان إخباره إياهم لذلك على هذا الوجه ، لما استدعى الأمر منهم أي تعجّب أو استعظام أو استنكار ، لأن المرئيات في النوم لا حدود لها ، بل يجوز مثل هذه الرؤيا حينئذ على المسلم والكافر . ولو كان الأمر كذلك لما سألوه أيضا عن صفات بيت المقدس وأبوابه وسواريه بقصد الإلزام والتّحدي . أما ، كيف تّمت هذه المعجزة ، وكيف يتصورها العقل ؟ فكما تتم كل معجزة غيرها من معجزات الكون والحياة ! . . لقد قلنا آنفا أن كل مظاهر هذا الكون ليست في حقيقتها إلا معجزات ، فكما تتصورها العقول في سهولة ويسر يمكن لها أن تتصور هذه أيضا في سهولة ويسر . سادسا : احذر وأنت تبحث عن قصة الإسراء والمعراج أن تركن إلى ما يسمى ب ( معراج ابن عباس ) فهو كتاب ملفّق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند ، وقد شاء ذاك الذي فعل فعلته هذه أن يلصق هذه الأكاذيب بابن عباس رضي اللّه عنه ، وقد علم كل مثقف بل كل إنسان عاقل أن ابن عباس بريء منه ، وأنه لم يؤلف أي كتاب في معراج الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، بل وما ظهرت حركة التأليف إلا في أواخر عهد الأمويين .
--> ( 28 ) النووي على صحيح مسلم : 2 / 390 ( 29 ) فتح الباري على صحيح البخاري : 7 / 136 و 137